إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
385
الإعتصام
والاستدلال بأدلته على صحة ما جاءهم به ولم يأمرهم أن يستفتوا فيه نفوسهم ويصدروا عما اطمأنت إليه قلوبهم وقد وضع الأعلام والأدلة فالواجب في كل ما وضع الله عليه الدلالة أن يستدل بأدلته على ما دلت دون فتوى النفوس وسكون القلوب من أهل الجهل بأحكام الله هذا ما حكاه الطبري عمن تقدم ثم اختار إعمال تلك الأحاديث إما لأنه صحت عنده أو صح منها عنده ما تدل عليه معانيها كحديث الحلال بين والحرام بين إلى آخر الحديث فإنه صحيح خرجه الإمامان ولكنه لم يعملها في كل من أبواب الفقه إذ لا يمكن ذلك في تشريع الأعمال وإحداث التعبدات فلا يقال بالنسبة إلى إحداث الأعمال إذا اطمأنت نفسك إلى هذا العمل فهو بر أو استفت قلبك في إحداث هذا العمل فإن اطمأنت إليه نفسك فاعمل به وإلا فلا وكذلك في النسبة إلى التشريع التركي لا يتأتى تنزيل معاني الأحاديث عليه بأن يقال إن اطمأنت نفسك إلى ترك العمل الفلاني فاتركه وإلا فدعه أي فدع الترك واعمل به وإنما يستقيم إعمال الأحاديث المذكورة فيما أعمل فيه قوله عليه الصلاة والسلام الحلال بين والحرام بين الحديث وما كان من قبيل العادات من استعمال الماء والطعام والشراب والنكاح واللباس وغير ذلك مما في هذا المعنى فمنه ما هو بين الحلية وما هو بين التحريم وما فيه إشكال - وهو الأمر المشتبه الذي لا يدرى أحلال هو أم حرام فإن ترك الإقدام أولى من الإقدام مع جهلة بحاله نظير قوله عليه السلام إني لأجد التمرة ساقطة على فراشي فلولا أنى أخشى أن تكن من الصدقة لأكلتها فهذه التمرة لا شك أنها لم تخرج من إحدى الحالين إما من الصدقة وهي حرام عليه وإما من غيرها وهي حلال له فترك أكلها حذرا من أن تكون من الصدقة في نفس الأمر قال الطبري - فكذلك حق الله على العبد فيما اشتبه عليه مما هو في سعة من تركه والعمل به أو مما هو غير واجب - ان يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه إذ يزول بذلك عن نفسه الشك كمن يريد خطبة امرأة فتخبره امرأة أنها قد أرضعته وإياها ولا يعلم صدقها من كذبها فإن تركها أزال عن نفسه الريبة اللاحقة له بسبب إخبار المرأة وليس تزوجه إياها بواجب بخلاف ما لو أقدم فإن النفس لا تطمئن إلى حلية تلك الزوجة .